الأربعاء، 14 مارس 2012

البَزَّةُ الزَّرقاء

بعد أسابيع من طلاء الأبنية والجدران وكنس الشوارع وترحيل القمامة الماكثة أبدا وسط المدينة!! بعد حملة توزيع لمواد غذائية "منتهية البراءة" !! وبعد حشد قبلي لافت توجته لافتات وخيام مضروبة في شوارع المدينة وكأنما هي حملة رئاسيات!! ... بعد تعبئة متواصلة اختلط فيها المهني بالسياسي وكرست فيها وسائل الدولة في وضح النهار! وبعد "استيراد" مشبوه للمدراء والوزراء والوجهاء ومن لف لفهم لدرجة سببت اختناقا مروريا في شوارع المدينة وهي الوديعة التي لم تخنق سيارة من قبل!!، بعد كل ذلك جاء خطاب الرئيس دون توقعات ساكنة المدينة وبدا مهرجانه مرتبكا حتى لكأنه مفبرك!

  •        بداية مرتبكة:
لأول مرة لاتتحدث المدينة عن نفسها ، لايتحدث العمدة باسم سكان بلديته مرحبا ومقدما مشاكل المدينة، وفجأة وبدون مقدمات دخل الرئيس على الخط،تماما كما دخل تاريخنا فجأة ذات فجر من أغسطس!أخذ يتلو أرقاما كبيرة تحولت بسرعة بالغة إلى مليارات الأوقية ولأن الرئيس قرأ في عيون الحاضرين وفي ملامحم الأصيلة سؤالا واردا:أين كل هذه الأموال سيدي الرئيس؟ وأين صاحبي حسن! على طريقة أحمد مطر،طرح الرئيس السؤال نفسه على نفسه وأجاب ...وفي إجابته دخن!

  •        لافتات معبرة:
لأول مرة في تاريخ مهرجانات الرؤساء تتفوق اللافتات الأصيلة المعبرة عن واقع الناس البسطاء على تلك المستوردة البائسة التي خطت خارج سياق الفقر والتهميش والظلم،لقد قرأ الرئيس أمامه لافتات تخط مشاكل الأساتذة والطلاب والبحارة وأهل الجديدة وأخواتها...وبدت لافتات أخرى كتبت فيها عبارة "الدعم اللامشروط" كسيحة ملتوية لاتستقر على حال من التعبير وقد لفها خجل لافت وهو مادفع السيد الرئيس لأن يعلن في وجوه أصحاب تلك اللافتات:أنزلوا لافتاتكم لأرى كل المواطنين وقد نسي أن أولئك الحاضرين لم يأتوا من أجل عيون الرئيس بل ليعبروا عن آمالهم المشنوقة وأحلامهم المغتالة بعبارات ديماغوجية مملة ماعادت تخدع أحدا.

  •        البحارة الشجعان:
فقد كانوا في المقدمة ليصرخوا بالظلم الواقع عليهم ،لقد علمهم البحر أن يجهروا بأصواتهم فحين تحدث الرئيس قالوا بالحرف الواحد:كذب، كذب، كذب.. وهو مادفع الرئيس لأن يرد عليهم بمقولته الغريبة:أصحاب اللحى هم من يكذب أما أنا فلالحية لي ومع ذلك لاأكذب عليكم! البحارة سيدي الرئيس لم يحضروا لنقاش حول اللحى فليس هذا سياقه ولاالمتحث محله كل همهم أن ينصفوا من الظلم والتهميش الواقع عليهم في وطنهم لكن كيف ذلك وقد استقدم الرئيس عليهم أهل "الصين" يستنزفون مابقي من سمك المحيط!


  •       مقاطعات مستمرة:
الرئيس في خطابه باغتته المقاطعات مرارا من الأساتذة والبحارة والطلاب وسكان الترحيل فحين أطال الحديث في العموميات وتصفية حسابات مع ابن عمه حتى لكأن كل حديثه كان موجها له ،فهو المفسد الوحيد! وهو المتضرر الوحيد من ارتفاع الأسعار!! حين كرر تلك العموميات ردد الحاضرون هذه عموميات سيدي الرئيس تحث عن مشاكل المدينة مما اضطر الرئيس مجددا لأن يخاطبهم :هذه عموميات لكن دعوني أكملها سوف أتحدث عن مشاكلكم...أحد الحاضرين كان أكثر جرأة حين ردد بصوت واضح تسرب إلى مسامعنا في غفلة من فنيي التلفزة المهره! فقال مرارا: "مان أمرحبين أبعزيز" مما أضطر أبطال البث المباشر أن يقطعوا الصوت وقد نسوا أن الصوت وصل وأن على التلفزة حين تتشجع لتغطي المهرجان بشكل مباشر أن تتحمل تبعات تلك "الشجاعة"!! وعليهم أن يعرفوا من الآن بأن "المباشر" أصدق من "الإعادة" ولاتزال التلفزة تصدق وتتحرى الصدق حتى تكتب عند الرئيس صديقة!!

  •       أسنيم تدخل على الخط:
لاحظ الكثير من أبناء المدينة والعارفين بأحوال التعبئة والحشد دخول شركة أسنيم بكامل ثقلها ، بحافلاتها وإمكانياتها في التعبئة للسيد الرئيس مما دفع أحد الحاضرين لأن يقول : هذا مهرجان أسنيم! وهي سابقة جديدة في تاريخ المؤسسة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون!!
تلك خمس من  الملاحظات السريعة أعلم أن التلفزة الوطنية لن تعرضها، طبعت مهرجان الرئيس وهو في مجمله يذكر بخطابات ولد الطايع في آخر عهده بعد شبه كبير معه في طريقة الحشد والتعبئة. الجديد فقط أن الناس كسرت حاجز الخوف وأخذت تقاطع الرئيس علنا وبصوت حاد ، حتى أن بعض الشباب كانوا عند منصة الإنعاشات الفنية قبل مقدم الرئيس وكانوا يستمعون لأغاني "أولاد لبلاد" بعزفها الثوري وكلماتها الناقدة وفجأة قطعت الأغاني ليأتى بالفنانة كرمي بنت سيداتي فما كان منهم إلا أن رفضوا ذلك ورموها بالحجارة!وهو تطور لافت في الحراك النضالي والثوري الذي ينتصر أخيرا على الأغاني الناعمة المد جنة! فما عادت تطرب سمعه تلك الأغاني حتى ولو كانت صاحبتها بنت سيداتي!
كنت قد همست قبل أسبوع للسيد الرئيس أن يؤجل زيارته للمدينة أو ينساها للأبد فمشاكل أهلها منسية وما بعد الهمس من حديث، أما وقد حضر الرئيس وخطب في الناس خطابا طويلا فإنه يمكن القول أن سيادته لم يحمل إلينا من شيء له علاقة بالمدينة سوى لون "بزته" الزرقاء إنها تماما مثل زرقة المحيط! ! !.

الثلاثاء، 28 فبراير 2012

إليك قبل مقدمك إلينا، سيدي الرئيس...

القاطن مدينة نواذيبو هذه الأيام يشاهد بشكل مفضوح "إعادة" مشبوهة ل "طريقة" ولد الطايع في حشد القبائل وإرسال "بعثات" الحزب "المطبل" البئيس قبل مقدم الرئيس، فتسمع في كل مرة عن اجتماع قبلي هناك وعن آخر يتصدره "وزراء" و"مدراء" يبشرون بمقدم "رئيس الفقراء" لمدينة منسية من يوم ولدت، تستلقي كل ليلة في وقت متأخر من "محاربة الفساد" على محيط يزخر سمكا وتستيقظ كل صباح من نعاسها الطويل على ضجيج قطار يمتلئ حديدا ، حظها من الأول "روائح كريهة"تنبعث من مصانع "دقيق السمك" تغتال نسائم البحر العليله، ومن الثاني ضجيج قطار يصك الآذان ويواصل نهبه السرمدي لمعادن الوطن النائمة ناحية "كدية أجل".
فهل لمقدم "البعثات" من معنى ؟ ...وفي "أحياء الترحيل" تم التخلص من "الفقراء" وتركوهم هناك يتقاسمون زمهرير البرد في أكواخ بالية، ينتظرون كل ليلة قدوم كاسبهم بعد رحلة طويلة من البحث عن سيارة أجرة تجفل من كل واقف ينطق هذا الاسم : "الترحيل" والذي أصبح أخيرا مكبا للنفايات ، وفي حي "الجديدة" هدمت دور على أهلها بحجة القضاء على "الكزرات" ونسي أصحاب القرار أن وطننا بأسره ماهو إلا "كزرة" مختطفة ليس لأصحابها "حق شرعي" في امتلاكها.
هل لمقدم "البعثات" من معنى و"الصين" تسابق الزمن ناحية "الميناء" للإجهاز على الباقي من أسماكنا البريئة...أي معنى وليس لنا في هذه المدينة من مغنم سوى "مناخ بارد" وهبه رب العباد لهذه الأرض، أما غير ذلك فأسعار لاتعرف سوى الصعود، فمتى تهبط يوما أسعار "قنينات" الغاز!! متى يعود لسالف عهد "أرزنا" و"سمكنا"، ليس في زمنكم سيدي الرئيس-حتى الآن-.
سيدي الرئيس لقد شاهدنا "البلدية" تشمر عن ساق الجد - وهي ساق هزيلة- مدشنة حملة تنظيف لأحياء"الترحيل" و"النيمروات" و"الجديدة" و"لعريكيب" ...احتفاء بمقدكم وكأن أهل الأرض الماكثين فيها منذ زمن ليسوا سوى "نفايات" لا تضرها النفايات، وحين تغفلون من سفرتكم الميمونة سوف يعود الحال كما كان قمامة في كل مكان ، قمامة جريئة تحتل وسط الطريق المعبد في غفلة من "البلدية" وعمالها..لا بل بمباركتها،،فأي معنى إذا لزيارتكم سيد الرئيس والحال كماترى...
سيدي الرئيس إن أردت المجيء إلينا فلتأت بلا مقدمات بلا رتوش،الناس هنا ماعاد يأسرها خطاب عن محاربة "الفقر" و"الفساد" وواقعها يشهد خلاف ذلك، سئمنا من "تلفزتنا الوطنية" وهي تكرر مأساة الإعلام وتعيد إنتاج نفس المقاطع لاأحد يستمع إليها فالناس هنا في شغل من أمرهم.
إذا قدر وأن قدمتم إلينا فلتترجل سيدي الرئيس ولتدخل المدينة دارا دارا زنقة زنقة وسترى حالها وحال أهلها ، أما مايطبخ في الإعلام فلاعلاقة له بواقع المدينة إنما هي "تجارة" يأكل بها بعضهم على حساب البسطاء من الناس.
لطالما بالغت المدينة في صمتها وهدوئها المهيب ولكنها اليوم تأن وتصرخ فلتسمعوا صراخها سيدي الرئيس،وإياكم وحديث قوم قدموا بمقدمكم وسيغفلون بسرعة بالغة يوم تنهون زيارتكم،الباقون في الأرض هم أهلها لاأولئك القادمون برجلهم وخيلهم ومالهم يريدون اقتطاع يوم من الزمن ملفوفا بزينتهم و"أشيائهم"التافهة ليوهموك أنه يوم عادي من أيامنا ، كلا سيدي الرئيس فأيامنا غير ذلك، فلاتدعهم يغالطوك كما فعلوا من قبل بسلفكم وهم مستعدون الآن لفعل ذلك بخلفكم.
سيدي الرئيس إذا أردت القدوم إلينا فلتخطب في أحياء "الترحيل" ولتتجول هناك لترى مأساة وزارة الإسكان والإعمار،ماأسكنت أحدا وما عمرت أرضا،لكنهم سيأتونك بثلة من المغرر بهم ليوهموك أن الناس بأحسن حال،لاتستمع إليهم فإنما هي حيلة من حيلهم الأصيلة.
وأخيرا سيدي الرئيس دعني أهمس إليك فالهمس أولى من الصراخ:
إن كان بإمكانكم تأجيل الزيارة لأجل غير معلوم فذلك أحسن لأن أحلامنا لاتزال   مؤجلة لأجل غير معلوم.
إذا كان بإمكانكم نسيان زيارتنا للأبد فلتفعلوا فإن مدينتنا منسية منذ أمد.

الخميس، 23 فبراير 2012

على متن السفينة


هذه الصورة على ظهر سفينة الأبحاث العلمية الروسية "Atlantniro" بصحبة الباحث Mylnikov Nikolay: قائد المهمة العلمية...ما أود الإشارة إليه أن صاحبنا هذا يبلغ من العمر 103 سنوات ولايزال شابا أكثر مني يبيت ساهرا مع صيد الشبكة يمضغ السجائر...حين سألته : ألم يتقدم بك العمر كثيرا؟ أجاب: كلا لازال في العمر متسع ولدي طموحات كثيرة أرغب في تحقيقها ، ثم يبتسم ...ماذا يعني لك ذلك؟؟؟.

الخميس، 16 يونيو 2011

بين فريقين

فجأة وبدون تمهيد إذ بنا أمام اتفاقية تستهدف الثروة السمكية السطحية موقعة بين الدولة الموريتانية وشركة "كذاش" ....ليحتدم النقاش بين مؤيد ومعارض وليختم الصخب بتمريرها داخل قبة البرلمان. 
الإتفاقية يكتنفها الكثير من الغموض وصاحبها من اللغط أكثر من ذلك...فلا مؤيدوها وفقوا في الدفاع عنها بشكل علمي ومنطقي، لقد أختاروا الدفاع الأجوف والتبرير الأعمى...وكان بإمكانهم  أن يجدوا فيها مايدعم حجتهم لو بذلوا جهدا في الوقوف على بعض المعطيات العلمية، فحسب الاتفاقية فإن  الكمية التي سيتم صيدها سنويا بموجب الاتفاقية تتراوح من 80 إلى 100ألف طن وعندنا وفي مياهنا الوطنية تصطاد الزوارق السنغالية مايقدر ب 300ألف طن سنويا بدون مقابل!!!  
كما أن الصيد السطحي المنصوص عليه في الاتفاقية حسب بعض العلميين سوف يستهدف بعض الأنواع السمكية التي لازال مخزونها غير مستغل مثل نوع L’anchois (Engraulis encrasicolis)  والتي تشكل قيمة اقتصادية كبيرة ومخزونها في العالم  يعاني فرط الإستغلال أو في حالة إستغلال أمثل (FAO .2004) على عكس مخزونها في الشواطئ الموريتانية والتي يتم فيها صيد هذا النوع بشكل ثانوي ليتم تحويله إلى دقيق السمك ...والطريقة الأمثل التي تلائم صيد هذا النوع من الأسماك هي تقنية  chalutier à bœuf  وقد نصت الاتفاقية على استخدامها عن طريق 5 سفن مزدوجة أي مامجموعه 10 وقد سبق استخدام هذه التقنية في اتفاق مع الصين  سنة 1996، وحسب بعض الباحثين العلميين فإن السفن العشرة المتخصصة في صيد الأعماق ستستهدف بعض الأسماك التي لاتعاني من فرط الإستغلال والتي يحتمل أن تكون ذات تأثير على مخزون الأخطبوط (المخزون الأكثر استغلالا والأهم من الناحية الاقتصادية) هذا طبعا إذا تم احترام الاتفاق ،.كان بإمكان نواب الأغلبية والمدافعين عن الاتفاقية تقديم معلومات من هذا النوع وهي متاحة لكنهم للأسف لايبذلون جهدا في  تدعيم حججهم بحقائق علمية إنما يهتمون فقط بتمرير المررأصلا والمعطيات العلمية التي يركنون إليها في هذا المجال تثير السخرية كقول أحدهم إذا لم نتدارك ثروتنا السمكية ستهاجر إلى السنغال أو مالي على أن مالي لاشواطئ لها! أو كقول آخر :إن الثروة السمكية السطحية ثروة مهاجرة وإن لم نتداركها فستكون بين احتمالين إما أن تهاجر عنا باتجاه الدول الأخرى ليصطادوها أو تموت ليأكلها سمك آخر وفي الحالتين لانستفيد ولقد ردت عليه إحدى زميلاته في البرلمان :"ليس بهذه العقلية تقيم الثروة السمكية السطحية،إنها دورة حياة سيدي النائب المحترم". 
كما أنه كان بإمكان المعارضين لها تقديم معلومات أخرى أكثر منطقية وعلمية بدل عبارات"اللعنة" و"الكارثة" و"الخيانة"  التي تخفف من الغيظ المتراكم لكنها لاتنفع كتبريرات علمية منطقية...فمثلا حسب الاتفاقية في نسختها التي وقعها وزير الصيد ونشرها موقع cridem هناك 100 رخصة لسفن الصيد التقليدي والتي ستقضي نهائيا على صيدنا التقليدي بحكم الفارق بين القدرات الفنية والأخطر من ذلك أن الاتفاقية سوف تخلق سوقا صينية تشتري كل مايتم تفريغه على الشواطئ بحجة تصنيعه مما يشكل خطرا كبيرا على السوق المحلية وعلى سعر السمك وبديلا عن الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك SMCP  ولعل ذلك من الفوائد"المقنعة" لصالح الشريك، هذا بالإضافة إلى إن كل رخص الصيد الممنوحة والتي يبلغ عددها 152 كلها في سنة 2011 و2012 وفي ذلك مافيه!!!!
الاتفاقية تنص على أنها تستهدف الصيد السطحي-وهو مخزون لازال قابلا للاستغلال- ويعاني من لوبيات وطنية تستغله بدون مقابل ولعل الصين أكثر فائدة علينا من رجال أعمال لايهتمون سوى بمصالحهم الضيقة على حساب ثروة الوطن...لكن الاتفاقية وبنصها سوف تستهدف صيد الأعماق الذي يعاني من فرط استغلال تجاوز 30% من المخزون القابل للاستغلال حسب نتائج الدراسات التي يقوم بها المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد IMROP.وذلك عن طريق 15 سفينة لصيد الأعماق 5 منها بعد إنجاز الاستثمار على الأرض حسب نص الاتفاقية ،يشار إلى أن عدد السفن الصناعية تراجع من 410 سنة 2002 إلى 185 سفينة سنة 2010 حسب مجموعة العمل 2010 المنظمة من طرف IMROP.إذن الأسطول الصناعي الذي يستهدف صيد الأعماق شهد تناقصا معتبرا في عدد السفن بحكم عدة عوامل منها مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي وكذلك نقص في عدد الرخص التي تستهدف صيد الأعماق محاولة من الدولة الموريتانية للرفق بثروة سمكية في حالة صعبة ،لكن الصين عندنا شأن آخر15 رخصة صيد في الأعماق الموريتانية!!في ظل تخفيض ملحوظ في عدد الرخص الخاصة بصيد الأعماق.
باختصار نحن بحاجة لاتفاقيات تستغل الثروة السمكية القابلة للاستغلال  لاتلك المستنزفة أصلا، بحاجة لإيجاد ثقافة تصنيعية وخلق قيمة مضافة للكثير من الأسماك السطحية التي تزخر بها شواطئنا ولم يتم استغلالها حتى الآن، لكن بشكل معقلن ومقنع وواضح عكس حالة الاتفاقية الأخيرة اللهم إلا إذا كانت هناك عائدات "مقنعة" لم يعلن عنها للملأ من قبيل (طائرات، دبابات....الخ) ، كما أننا بحاجة إلى تنوير الرأي العام بالحقائق العلمية خصوصا في هذا المجال. تلك الحقائق يتم تغيبها عن جهل-حال الكثير من المدافعين عن الاتفاقية- أوعن قصد-حال الحكومة الموريتانية- والضحية ثروة بلد منهك، أبناؤه أشد خطرا عليه من الصين والهند والسند وقادته لاتهمهم المعطيات العلمية،حكى أحدهم أن مسؤولا كبيرا في الحكومة الموريتانية سأله بعض السياسين لماذا لايتم تسديد رواتب موظفي المكتب الوطني للإحصاء فرد عليه : ومافائدة هذا المكتب فمهمته ( الإحصاء) تقوم بها الحالة المدنية!!!! من يفكر بهذه الطريقية البدائية لايمكن أن ينهض ببلد مثقل بالإخفاقات التنموية.


الاثنين، 25 أبريل 2011

خواطر"زيارة رئيس"...


المدينة الساحلية بهدوئها وبردها وهي مستلقية على ضفاف المحيط، تتحسس من القادمين إليها من يوقظها من نعاسها الطويل ...كانت في مساء السبت 23 أبريل 2011على موعد مع لحظات حفرت عميقا في التاريخ وامتدت طويلا في الوجدان ،طول سكة القطار ...
ليس من عادتي الحديث عن "الأشخاص" إلا حين يسطرون أصدق وأنبل مافي الإنسان فيأخذون بمجامع القلوب والعقول والأسماع والأبصار ويواصلون رحلة الإمتاع...ليست المرة الأولى التي ألتقي فيها "محمد جميل منصور" وليست الأولى التي أستمع إليه فيها أوأسمع عنه،ولكنها كانت من المرات النادرة التي تتقاسمني فيها الأحاسيس وتتدافعني الخواطر ويتملكني الإعجاب فأهيم  بالحروف لعلها تحمل عني بعضا من تلك المشاعر المتقدة الباحثة عن مستقر...
المناسبة باختصار كانت على هامش -عفوا- بل في عمق فعاليات المؤتمر الثاني لشبيبة الإصلاح والتنمية في مدينة نواذيبو، حين أعلن عن محاضرة بعنوان:"العمل السياسي بين الموسمية والاستمرارية" مع رئيس حزب "تواصل".
أخذت مكاني في وسط القاعة وهيأت نفسي للحدث وكانت تتوزعني رغبتان الأولى في أن أستمع بعقلي وقلبي والثانية أن يجد كل الحاضرين بمختلف أعمارهم وأفهماهم نصيبا من المحاضرة... دخل المحاضر فتوالت تعبيرات الترحيب وصخب التصفيق فأحببت لو قضت بسرعة تلك التعبيرات، فقد حبب إلي الهدوء في حضرة جلال العلم وجماله، بدأت كلمات الترحيب وتوالت أخرى... ليحين دور "الرئيس" فأخذ من اللحظة الأولى بالعقول والقلوب وأطبق صمت مهيب في المكان فلا تكاد تسمع إلا تصفيقات متوالية في ثنايا الكلام أدهشتها اللحظة فحركت الأيدي تعبيرا عنها...
كان كأنه ينتقي أطايب الكلام فجمع في حديثه ثلاثة معان ميزت خطابه كله: الأصالة والوضوح والقبول أوبتعبيرآخر:"التأصيل الشرعي" و"المنهجية المتسلسلة الواضحة" و"الكاريزمية القوية" ،أو بثلاثة أخرى:"العلم الشرعي" و"الفقه السياسي" و"الفاعلية المأثرة"...كان يستشهد من القرآن والسنة وأقوال مالك وشيخ الإسلام وابن حجر ويفصل ذلك على واقع السياسة وشأن الناس بفهم عميق ووضوح كبير...
سأل سائل عن الفرق بين الدولة المدنية والدينية فأجابه المحاضر جوابا جمع بين الفقه والسياسية والوضوح فبين أن الخلط بين المفهومين سببه عدم التفريق بين مصدر "الشرعية" و"التشريع" فالأول من حق الناس والثاني لله وحده والدولة الدينية هي تلك التي تجعل الشرعية من حق شخص أو مجموعة باسم الدين والمصطلح دخيل على الفكر السياسي الإسلامي...وانتهت بذلك في كلمات معدودة إشكالية كبيرة.
كان يتحدث عن الواقع السياسي بوضوح وأصالة تندر في رجال السياسة وكان لكل حاضر نصيب من المحاضرة فقد وجد فيها طالب العلم الشرعي قصده في وضوح التأصيل الشرعي وللمرأة جواب مقنع لهواجسها وللمثقف والطالب والسياسي والإنسان العادي لكل حظ ونصيب...
انتهت المحاضرة رسميا...ليستدرك المحاضر من جديد ويضيف قراءة لفقرة من كتاب تتحدث عن صفات الإمام العادل كان قد قرأها في طريقه إلى المدينة فأراد من الحضور أن يشاركه الفائدة وفي ذلك أن الرجل حديث عهد بالمطالعة وله سند متصل بمرجعيته الإسلامية...
انتهت المحاضرة كليا وقام الحضور إلا أن إحدى السيدات الحاضرات طلبت من المحاضر أن يختم بالدعاء فلم يفاجأ الضيف من طلب دعاء من رئيس حزب سياسي فأخذ يدعو بدعاء رباني جميل مؤثر في نهاية محاضرة سياسية وبين رجال السياسة فكان ذلك ختام أصيل يفيض بالمعاني والعبر...
جميل منصور رجل من رجالات الوطن والأمة قل له مثيل ونحن بحاجة في هذا الوطن المنهك أن نقدر رجالاته وللتقدير مستويات كثيرة...حفظ الله محمد جميل منصور وأعانه وهداه ورزقه مقام الأنبياء والصديقين والشهداء، أخذت الشمس تبتعد في أفق المحيط معلنة مراسيم احتضار النهار وودعنا ضيفنا الكريم في انتظار فرصة أخرى نظفر فيها بلقاء

السبت، 12 مارس 2011

المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد IMROP

على مقربة من الشاطئ في "كانصادو" بمدينة انواذيبُ تُطل بناية المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد، تاريخ طويل من العطاء وتجربة علمية حافلة بالأداء وواقع دون المأمول.
1. شيء من التاريخ:

تمتد جذور المعهد لأكثر من خمسين سنة، بالتحديد في الخامس من يناير سنة 1953 للميلاد، حين تم تدشين مختبر الصيد بمدينة انواذيبُ Laboratoire de pêches ليتطور المسار فيتحول المختبر إلى المركز الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد CNROP وذلك في 23 نوفمبر من عام 1978، تتعمق التجربة العلمية وتتوسع ليصبح المركز في سنة 2002: المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد IMROP.

رغم هذا التاريخ الطويل إلا أن الكثير من الموريتانيين لا يعرفون المعهد ولا مهامه ودوره في التنمية، خصوصا ممن يُتوقع منهم ذلك من المسؤولين والمثقفين؛ لقد صَاحَ أحد نواب البرلمان ذات مرة داخل تلك القبة التي يفترض أن تجمع ممثلي الشعب وحُماة الوطن :هذا المعهد ماذا يفعل؟ ما دوره؟ ما أهميته؟ إنها ميزانية كبيرة عليه؟؟؟
وأنا هنا لا ألوم ذلك النائب الذي لم أعد اتذكر اسمه، بقدر ما ألوم المعهد والقائمين عليه، حيث لم يستطيعوا تقديم الصورة الحقيقية للمعهد ودوره الكبير في البحث العلمي والتنمية الاقتصادية، فحتى وسائل الإعلام كثيرا ما تكتب اسم المعهد بطريقة خاطئة وأحيانا مضحكة، مما يعكس الغياب الإعلامي الكبير للمعهد وما يسببه ذلك من غياب الاهتمام به من لدن الجهات المعنية.

2 - المهام

المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد IMROP هو مؤسسة بحثية تقوم بالبحث والدراسة في كل ماله علاقة بالثروة المائية الحية (البيئة البحرية، الصيد، المخزون السمكي، استصلاح المصايد...الخ) وهو مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تابعة لوزارة الصيد والاقتصاد البحري، ويمكن تلخيص مهمته الرئيسة في إعداد وتقديم المعارف الضرورية لتسيير واستغلال الثروة السمكية وتقديم الاستشارات العلمية للسلطات العمومية للاستفادة منها في رسم سياسات الدولة في مجال الثروة السمكية وحماية البيئة البحرية من أجل استغلال مستديم، وبشيء من التفصيل أكثر:

- دراسة البيئة البحرية وديناميكية المخزون واستقصاء المعوقات والعوامل البيولوجية والفيزيائية، الاجتماعية والاقتصادية والتقنية لقطاع الصيد،
- متابعة تطور المخزون السمكي وتحديد مستوى استغلاله،
- دراسة التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لقطاع الصيد على المواطنين،
- دراسة طرق استغلال واستصلاح المصايد بشكل مستدام، وفي هذا المجال تمكن المعهد على مدى سنوات عديدة من تقديم الكثير من الانجازات العلمية المعتبرة منها على سبيل المثال:
- دراسة بيولوجية و إيكولوجية للأنواع السمكية المستغلة في موريتانيا
- معرفة حالة الموارد ومستوى استغلالها سواء تعلق الأمر بالمخزون السمكي السطحي أو مخزون الأعماق وحتى تحديد
- مستوى استغلال الكثير من الأنواع السميكة الرئيسة،
- دراسة الموارد السمكية و الظروف الهيدرولوجية لحظيرة آرغين،
- دراسة الظروف الهيدرولوجية و معرفة بعض خصوصيات التيارات الإنبثاقية فى موريتانيا،
- أكثر من 20 أطروحة و تقارير للدراسات المعمقة تناولت مواضيع شتى في إطار برامج البحث العلمي،
- أكثر من 38 نشرة علمية وإحصائية و90 أرشيفا لمختلف المعطيات العلمية وكتابان عن الأسماك الموريتانية وعشرات التقارير عن الملتقيات العلمية ومجموعات العمل.

لقد أصبحت تجربة المعهد في شبه المنطقة تجربة مقدرة مقارنة بالمعاهد المماثلة في الدول المجاورة كالمغرب والسنغال، وفي هذا السياق ينظم المعهد من كل أربعة سنوات مجموعة عمل Groupe de travail تناقش أهم المواضيع والمستجدات العلمية في مجال الصيد والبيئة البحرية، يلتقي فيها العديد من الباحثين والخبراء من مختلف الدول والمعاهد والمؤسسات المشابهة، وتصدُر في نهاية مجموعات العمل تقارير تُقدّم خلاصة الدراسات والأبحاث في هذا المجال، وتعتبر من أهم الوثائق العلمية التي تساهم في تسيير مستدام للثروة السمكية.
 كما أن تجربة المعهد في البحث العلمي خصوصا في تسيير الحملات العلمية Campagnes scientifiques التي تستهدف استكشاف وتقدير المخزون السمكي وتحديد مستوى استغلاله، تعتبر من أهم التجارب في شبه المنطقة، وبالذات حملات الجر القاعي Campagnes démersales التي تستهدف الثروة السمكية القاعية حيث تمت الاستعانة بالمعهد لإجراء هذه النوع من الحملات في بعض الدول المجاورة كان آخرها الحملة العلمية المنظمة في غينيا بيساو سنة 2011 من أجل تقييم المخزونات السمكية لهذه الدولة. 
كما كان للمعهد دور كبير في الكثير من الإجراءات التي تم اتخاذها من طرف الدولة لحماية المخزون والأنواع السمكية التي تعاني من فرط استغلال يهدد وجودها، من ذلك على سبيل المثال ما يعرف بالراحة البيولوجية (أو التوقيف كما هو شائع لدى الصيادين التقليديين)  وتستهدف هذه الراحة البيولوجية ثروة الأخطبوط التي تعاني من فرط استغلال تجاوز 30%حسب التقرير الصادر عن آخر مجموعات العمل المنطمة من طرف المعهد سنة 2010 وتهدف الراحة البيولوجية لحماية إناث الأخطبوط وصغاره في فترتين من السنة، وذلك بمنع كافة أشكال الصيد التي تستهدف هذا النوع في فترات زمنية تقابل فترات التكاثر والنمو يتم تحديدها بناء على تحليل البيانات والمعطيات العلمية الدورية من طرف المعهد.

3 - واقع دون المأمول

انطلاقا من هذا التاريخ الطويل والتجربة المعتبرة للمعهد في مجال البحث العلمي الذي يستهدف إحدى أهم الثروات الطبيعية في البلاد (الثروة السمكية) إلا أن واقع المعهد اليوم يبقى دون المأمول، فقد غادر المعهدَ بعضُ الباحثين ممن راكموا تجربة معتبرة في مجال البحث العلمي، إما لدول أجنبية أو للالتحاق ببعض المؤسسات الدولية حيث توجد ظروف مناسبة للحياة الكريمة، مما حرم المعهد من الاستفادة من تلك التجربة وتوريثها للباحثين الجدد، وتبقى الظروف المادية الحالية متواضعة جدا لا يستطيع أصحابها الانخراط في الهم العلمي البحت والانقطاع فيه وهم مشغولون بالبحث عن جواب لسُؤالِ العيش أكثر من سؤال البحث العلمي، ومالم يتم تحسين تلك الظروف والاهتمام بأصحابها فإن مآلات البحث العلمي في المعهد ستكون محدودة جدا إن لم تكن معدومة، وسيتحول إلى مؤسسة رتيبة غير قادرة على العطاء أحرى التميز.
 كما أن الاهتمام بالكادر البشري تكوينا وتدريبا واتاحة الفرصة له من أجل مواصلة الدراسة والتطرق لمواضيع كثيرة لاتزال بحاجة للتناول عن طريق الأطروحات الدراسية والتقارير العلمية، من شأنه أن يساهم في توسيع تجربة المعهد وتزويده بالكادر البشري الفاعل؛ فالمعاهد البحثية مهمتها الرئيسية في التكوين وإعداد الدراسات والوقوف على آخر الأبحاث، فعلى سبيل المثال، هناك الآن الكثير من الدوريات والمجلات العلمية العالمية لا يُتيح المعهد خدمة الاشتراك فيها وهذه من أبسط أسباب مواكبة تطورات البحث العلمي التي لاتعرف التوقف، ثم إن الاهتمام بفتح آفاق الشراكة مع معاهد البحث والمؤسسات العلمية والدولية واستقدام المشاريع التي تهتم بهذا المجال سيشكل دعامة أساسية في تطوير تجربة المعهد وتوفير الوسائل الضرورية التي لاغنى عنها في مجال البحث العلمي، وتبقى الرؤية الاستراتيجية التي تترجمها برامج وخطط البحث الخماسية وكذلك خطط العمل السنوية من أهم العوامل التي تساعد في تطوير تجربة المعهد وتحديد المجال الذي يتحرك فيه ورسم أولويات البحث العلمي والتركيز على المجالات الأكثر أهمية.
 فهل تدرك الجهات المعنية الدور الذي يلعبه المعهد في رسم سياسات الدولة في مجال الثروة السمكية وفي حماية شواطئ كانت توصف بأنها الأكثر غنًى في العالم؟ أم أن الاهمال سيظل متواصلا مما ينذر بعواقب وخيمة تهدد الثروة السمكية ومستقبل الأجيال؟ 

الخميس، 13 مايو 2010

من خواطر البحر ... ومات مساء "السبت"!!

لحظة المساء تلك لم تكن عادية في إيحاءاتها وما خلفته في النفس ... لم يكن بمقدوري أن أظل معرضا عن جمال الكون بحجة تافهة: كوني أراه كل مساء وصباح! ، ذلك المساء حدثني البحر بهمسه المبلل وهو يمدد بلطف وهدوء أمواجه البريئة من تحت قرص الشمس المحمر، الذي بدا وكأنه يودع بخجل نبيل مساء يوم "السبت" ، إنها روعة مراسيم احتضار النهار تطارد فلوله نسائم الليل بحنان لم تألفه ميادين القتال وباتساع لم يترك للنهار المهزوم أي زاوية من الكون ليختبأ بها ، كان الضوء يتمدد ببطء وبانتظام عجيب يملأ العين لحد الشبع والامتلاء ، فسبحان مكور الليل على النهار .
لطالما سمعت عن لحظة الغروب وعن جمالها ، ولكن لم أوفق للتمتع بسحر موت المساء وتقليب الليل والنهار إلا ذات ذلك المساء...كانت سفينة البحث "العوام" تعين على التدبر والتأمل وهي تمسح بتثاقل رتيب أمواج البحر بقوة ناعمة تخلف في الأذن إيقاعا مائيا تموت في أحضانه كل الأصوات ، كان أن تسمرت على حافة السفينة واقفا مشدوها أراقب بعفوية العقلاء وبدهشة الأطفال التي لاحدود لها قرص الشمس وهو يتبدد ويتلاشى في ذلك المحيط المتسع وقد ملأت عيني زرقة البحر وصفائه وكأنهما تستمدان نورهما من جماله ونقائه ، ثم بعد حين تعترضني الشمس ببساطتها ولونها الحزين لتكسر أفق الرؤية الممتد وتضع حدا لهوسها المتلهف لرؤية الأشياء وكأنه لاأشياء خلف قرص الشمس في نهاية المحيط.
إنه جمال الخلق وجلاله !!، هذا البحر الذي بدا قبل لحظات هائجا مضطربا وكأنه يحاول بعنف صفع السفينة لتغيب في أحشائه ، بدا بعد ذلك مسالما وديعا تنام فوق أمواجه طيور "البجع" آمنة مطمئنة في تبادل عجيب لقصة العنف والسلام على ضفاف المحيط !!!...
سلام على نهار "السبت" ذاك ، ماأقصر وداعه وما أروعه ..في لحظات ينتهي وإلى الأبد يوم من أيام الله ، ثم يغدو بعيدا في ثنايا الزمن لتنساه الذاكرة ويتلاشى من الوجدان،لأول مرة أودع الشمس حتى تغيب وأستقبل الليل وأنا واقف أراقب بصمت مهيب تبدد اللون الأصفر في ثنايا الغيوم في نهاية المحيط ، إنه الجمال القوي الذي لادخل لأحد فيه ، هو الله سطر ذلك في هذا الكون المهيب ، ولكن الناس في غفلة عجيبة! ، حين دعوت بعض زملائي للتمتع بجمال المشهد كان ردهم باهتا مؤذنا بخراب الوجدان وموت العقل : "إنه الغروب شمس تسقط وليل يأتي ، ماذا في الأمر!!!" الذي في الأمر أنه مشهد يتكرر بقوة وانتظام وجمال نابض غير مصطنع ولا مركب ومن فاته فعليه السلام.
أخذت أردد أذكار المساء وهي تلهج بحمد الله وعظمته وقدرته ومات نهار "السبت" بسهولة ويسر ، تماما كما تموت الأسماك الصغيرة وهي تخرج بحيوتها القوية من أعماق البحر في لحظات معدودة وأقبل الليل بظلامه الكثيف وبدا وكأن كل شيء في البحر يركن إلى صمت بالغ سوى الأمواج ،فهي مستمرة في حركتها الأبدية.

الاثنين، 20 يوليو 2009

خواطر"الفرز"...نجح "الجنرال" مات "الشيخان"


بعد سباق رئاسي محموم رمت فيه موريتانيا بكل رموزها السياسيين ، كان من بينهم قائدوا الانقلابات الثلاثة الأخيرة ...ومن بينهم شيوخ المعارضة وفتيانها وفي اللائحة الهادؤون والمتواضعون ، كل أولئك كانوا في القائمة ، لكن واحدا من بينهم استطاع الاستيلاء على قلوب وأصوات الناخبين ليس بأمواله وبهرجته الملفتة فحسب بل بوعوده وأفعاله وإصراره "الممل" أحيانا عليها ...لم تستطع "الجبهة" بشحمها ولحمها ، بزخمها الإعلامي ومحاربيها القدماء أن تكسر جموح حصان "الجنرال" لم يستطع زعيم المعارضة "في ما مضى" وما التف حوله من مال ورموز ومن عشائر تدق الطبول أن يتبين ملامح حصان الجنرال المتلهف للفوز ، مااستطاع آخرون بتضحياتهم وجديتهم ولا آخرون بتماسكهم خلف أنفسهم أن يواصلوا السباق ، بدا الجميع منهكا ومرهقا لحد التوقف ، وماكان في المقدمة سوى "الجنرال" وحيدا يتبختر في الميدان ...ذلك أول ملامح "الملحمة" الانتخابية المدهشة والموغلة في الإثارة ...ومن ثم ، وبعد أن خف وطيس الملحمة يحق لنا أن نبعث بتنبيهات بسيطة ومختصرة لمن يهمه الأمر .

التنبيه الأول : إلى الرئيس لاإلى "الجنرال"

أدري ومعي الكثيرون صعوبة أن يناديك أحدهم دون صفة "الجنرال" وماتحمله من معان خشنة وصفات مزجت قساوة العسكري ببرائته السياسية المنجذبة للصدام والوضوح ..لكنك اليوم سيدي الرئيس سوف تتخلى عن بزتك العسكرية بمفرداتها ونياشينها وأشيائها الحادة ...فأنت أصبحت رئيسا مدنيا منتخبا لكل الموريتانيين "بمفسديهم" ومصلحييهم واعلم أن ماتتيحه الحملات الدعائية من فوران وجداني وعنف في التعابير لايليق برئيس منتخب تجاوز مرحلة المنافسة وإرباك الخصوم إلى ساحة الفعل والإنجاز...
حافظ عل قوتك وإقدامك وإصرارك فنحن بحاجة إلى من "يرهب" المفسدين ويغتال بالشنق عقلية النهب الفظيعة لكن كل ذلك ميدانه ساحة الفعل والبناء والتنمية لاساحة الانفعال والتصريحات والمسميات .
سيدي الرئيس اعلم أن هناك الآلاف من من صوتوا لكم فقط لأنهم لمحوا انجازات رغم محدوديتها وبرغم سياقاتها وبرغم الرغم، إلا أنها شكلت بالنسبة لهم قناعة تحكي أنه بالإمكان انجاز شيء وتحقيق وعد من ما يهتف به عادة الرؤساء والحكام .

هناك لحظة ينتظرها الكثيرون... بعد أشهر من القصر وحاشيته والسلطة وفتنتها هل ياترى ستتلاشى تلك الوعود الجميلة كخيط دخان أم أن الرئيس الجديد يختلف عن سلفه ، ذلك أخطر شيء ينتظره البسطاء والمنسيون في وطنهم لعقود من الزمن .

التنبيه الثاني : إلى "الشيخان"

لقد كان واضحا وصريحا خطاب الشعب "للشيخان" مسعود ولد بلخير وأحمد ولد داداه فبرغم ماأتيح لهما مما أتيح لخصمهم من مال ورموز سياسيين ومن خلفهم العشائر والقرى وأشياء أخر، لم يستطيعا منافسة قوية وكأن خطاب المعارضة التقليدية قد شاخ وانتهت صلاحيته ولم يعد باستطاعته تجميع الناخبين وإقناعهم وذلك درس مهم للساحة السياسية ...أما الحديث عن "التزوير" صبيحة الهزيمة فقط فهو أقرب إلى هرم الشيخوخة من أي شيء آخر ...حق للشيخيان المنهكان أن يستريحا ... آن لزعيم المعارضة "فيما مضى" و"أب الديمقراطية" "في ما مضى" أن يفهما أنهما جزء من الذي مضى ، الشعب يشكركم على ماقدتم من نضال وجهد ولكنه حان الوقت ليتاح لجيل جديد من المعارضة لعل في المترشحيين الأربعة الذين اعترفوا بالنتائج وبترتيبهم الذي حددته صناديق الاقتراع ومعهم آخرون ، لعل فيهم جيل المعارضة الجديد .


التنبيه الأخير : إلى "تواصل" ليواصل ...

رغم محدودية النسبة 4 في عالم الأرقام ودلالاته الكمية ورغم صدمة جيل شاب اندفع بعقله وعاطفته في الحملة الأخيرة يبتغي الفوز ...برغم كل ذلك استطاع "التواصليون" أن يتميزوا في الحملة الأخيرة ، وقد تجلى ذلك في الآتي :
أولا: حين حافظ الحزب على خط دعائي وإعلامي متوازن يشتغل بنفسه أكثر من اشتغاله بالآخرين
ثانيا: ادارة حملة انتخابية واعية لم تنزل إلى مانزل إليه الكثير من المنافسين من شخصنة للدعاية لايليق بالأحزاب الناضجة واستطاع التواصليون أن يحافظوا شيئا ما على شعبيتهم وسط حملة شرسة للمنافسيين استخدمت المال والرمز السياسي والطائرة الميسرة ...وهو ما يعني أن النسبة أربعة ينبغي أن تكون غالية وعزيزة ومقدرة فلم تقف خلفها جهة ولاقبيلة ولاثراء فاحش إنما تضحية وجد وقناعة وهو ما يتطلب المحافظة عليها ومضاعفتها في الزمن التالي ...
ومن المهم هنا أن نطلب من التواصليين طلبان :
الأول :
لايكفي البرنامج الانتخابي الناضج والرؤية السياسية الواضحة رغم أهميتهما لايكفيان لجلب أصوات الناخبين بل لابد من جهد ميداني يعين الناس في رحلتهم المرهقة بحثا عن لقمة العيش ولعل في السنوات الخمس المقبلة فرصة لذلك حتى يقتنع الناس أنكم لستم أصحاب شعارات فقط بل أصحاب مشروع تنموي والحزب طبعا أدرى بما يعينه على تحقيق ذلك
الثاني :
أطلب من قيادة الحزب والرئيس على رأسها أن تقوم بزيارات شكر سريعة إلى أغلب المناطق والقرى التي منحت الحزب نسبا معتبرة كتقدير لهم على اختيارهم ولعل ذلك يثبت أن موسمية العمل السياسي التي غلبت على كل الأحزاب السياسية في البلد بكل أسف لاتستقيم لدى "تواصل"

وفي الأخير إن كان من وصف يمكن أن نصف به تلك المرحلة التي خلت من تاريخ البلد فيمكن القول أنه لم يحن بعد وقت المدنيين في أرض الشعر والعسكر وأن زمن المعارضة التقليدية ولى وإلى الأبد. 

الأحد، 2 مارس 2008

إعلام " العافية".. أم إعلام ينزف دما؟


بينما كانت صور الشهداء تتوالى من كل مكان ....بدءا بفلسطين الجريحة مرورا بالعراق الكسير وليس انتهاء بأفغانستان المنسية، بل إن قناة الجزيرة الإخبارية راحت تنقل أخبار قتلى حوادث السير والقطارات في شرق آسيا ,ثم تهديدات بشن حروب في المنطقة يطلقها قادة سياسيون كبار ..ثم إن كوكبنا مهدد بالاحتباس الحراري ناهيك عما حل بثقب الأوزون ....وغير بعيد من ذلك النسق فإن منظمة الصحة العالمية تحذر من تهديدات حقيقية للبشر بسبب إنفلوانزا الطيور ...مجموعة من الأخبار تجعلك تشعر بأن العالم في طريقه إلى الدمار والهلاك ...مما دفعني إلى أن أحول عن قناة الجزيرة الإخبارية بحثا عن تلك القنوات الفضائية الهادئة..وقعت عيني على قناة "اقرأ" واستقر بي المقام هناك...عنوان جميل لفت نظري قبل أن يشد انتباهي نشرة إخبارية عنوانها "الدنيا بخير" جذبتني تلك العبارة الناعمة إليها وأنا القادم من نشرات إخبارية متوالية وأكيد أنها لا توحي بأن الدنيا بخير...فصرت أبعد من ذهني صور القتلى والدمار وأستبدلها بصور الحياة والعافية، عناوين هذه الأخبار تختلف تماما عما عهدناه في حصاد اليوم مثلا ...أخبار تحاول أن تبتعد عن مناطق الصراع وعن السياسة وتقلباتها وتذهب بعيدا لتحكي قصص نجاح وقصص حياة تبشر بالأمل والخير والعافية وحتى طريقة تقديم النشرة تختلف فبينما يظهر مقدم النشرة في قناة الجزيرة بصوت مرتفع ممتزجا بصوت سيارات الإسعاف.. يحكي عن عشرات الجرحى والقتلى يظهر مقدم نشرة " الدنيا بخير" مبتسما وهادئا بادئا النشرة باكتشاف علاج جديد لمرض مزمن، وما إن تتوالى تلك الأنباء السارة حتى تشعر بالاسترخاء وبأن الدنيا فعلا بخير، لكن صور القتلى تلك تأبى إلا أن توقفني لأسأل نفسي هل هذا فعلا هو واقعنا، أليس في هذا الجيل الجديد من الأخبار تجاهل لواقع الصراع و لآلام الشعوب. أليس إعلاما متحيزا للعافية على حساب عناصر أخرى؟على أن تلك "العافية الإعلامية" لا تأخذ ذلك الشكل فقط فقد تأخذ شحنة سياسية وتوجها رسميا وذلك ما يمكن ملاحظته بقوة في الإعلام الرسمي لدولنا العربية، ففي موريتانيا مثلا وبالذات في فترة ولد الطايع كان الإعلام الرسمي يظهر للمواطنين أن أمور البلد بخير وعافية وأنه سائر في طريق التنمية، وأن الدنيا قد استدارت على شخص الرئيس، ففي هذا اليوم أعطى الأوامر بتدشين مشروع كذا ... وغدا أنتم على موعد مع حفل التدشين، وبعد ذلك لا تنسوا أن تشاهدوا معنا كيف أثر ذلك المشروع في المواطن، وفي حياته..هكذا إذا تتشكل في ذهن المتلقي صور وهمية، توحي بالعافية والنماء في حين أن الواقع عكس ذلك بكثير.لا يمكن في اعتقادي أن نبقى في دائرة إعلام "العافية" سواء كانت عافية حقيقية تحاول بعض المؤسسات الإعلامية إظهارها والتركيز عليها كردة فعل تجاه إعلام ينزف دما... أو كانت عافية مفترضة تم نسجها لتدجين المواطن وإلهائه، وذلك لإضفاء نجاحات وهمية على برامج وخطط حكوماتنا العربية، وذلك ببساطة لأن هذا النوع من الإعلام يتجاهل الواقع ويقفز عليه ويتحيز لعناصر العافية والخير على حساب عناصر أخرى ... وهو أيضا إعلام يتجاهل حقيقة الحياة فليست الحياة حياة عافية فقط، بل هي قائمة في الأصل على صرا عات وعلى تنافس. صحيح أنه قد يتجلى ذلك الصراع في شكل ناعم ولين أحيانا، ولكنه قد يكون أيضا خشنا إلى حد إسالة الدماء، ولعل هذا التجلي الأخير قد يكون أكثر حضورا من الأول على الأقل في عالمنا الإسلامي.ثم إنه لا يمكن بحال من الأحوال أن تظل نشرات الأخبار ..نشرات الموت والدمار بل ينبغي أن يحصل هناك تنوع فتكون هناك نشرات علمية وأخرى ثقافية، على غرار نشرات الرياضة والاقتصاد، وما المانع من تخصيص فقرة من " النشرة " للأخبار السارة وهنا أقترح على قناة الجزيرة مثلا أن تستبدل فقرة " ضيف المنتصف" بمثل هذا النوع من الأخبار لعلها تساهم في إعطاء صورة حقيقية عن الواقع بكل تجلياته، فذلك أقرب للصواب، وهو أيضا وجه من أوجه الصراع يمكن أن تقرأ فيه معاني لا يتوقع البعض أن تحملها مثل تلك الأنباء وسأضرب لذلك مثلا: أذكر مرة حين كنت أشاهد قناة الأقصى الفضائية، وغزة في عز الحصار إذا بخبر أو فقرة تنقل حفل زفاف جماعي لعشرات من الشباب "الغزاوي" وقد عم الفرح المكان، لقد قرأت في ذلك الخبر مؤشرات النصر كما كنت أقرؤها في العمليات الاستشهادية، إن قدرة "الغزاويين" على الحياة بكل تجلياتها رغم صعوبة الظروف وقساوتها، لهو مؤشر صادق وقوي على مستقبل من النصر إن شاء الله... وإن أخذ ذلك المؤشر طابع العافية، نفس الاستنتاج يحضرني وأنا أتابع مثلا نفس القناة وهي تنقل وقائع حفل تكريم عشرات الشباب والفتيات المتفوقين في الجامعات من مختلف التخصصات، وقد أدت هذه "الأخبار الناعمة"، ما تؤديه الأخبار الأخرى، وهذا ما ينبغي الانتباه إليه والاهتمام به، صحيح أنه قد ينزف إعلامنا دما لتقرأ فيه الشعوب معاني الدم وإيحاءاته، ولكنه أيضا قد يتجلى عافية تحمل في جوهرها كل إيحاءات الدم الإيجابية، فهل يستطيع إعلامنا أن يمزج بين تلك الأبعاد والتجليات وهل يستطيع المتلقي أن يفهم وبنفس المستوى تلك المعاني الإيجابية، سواء جاءت على شكل قطرات من الدم أو نسمات من العافية.

الأحد، 16 ديسمبر 2007

همس الأحذية


المكان كعادته لايوحي بالحراك، فقد لفه صمت "صحافة التغطية " أما مساحة العواطف والتعبير فقد خنقوها لحد التلاشي بحبل "الموضوعية " و "الحياد " .....

..... كان الكل بانتظار سيادة "الرئيس " ابتسامة ماكرة ....ثم مصافحة مجامله وسيبدا الحديث غير الشيق طبعا والممل جدا كما هي عادة المؤتمرات الصحفية ...
لكن "منتظر" لم يقدر على الانتظارأراد أن يتجاوز "الروتين " في طرح الأسئلة فبدل حركة للسان ستتحرك اليد هذه المره نحو" سيادة الرئيس " ...سيكون سؤالا بليغا يليق بجلالة الضيف!!!
سأرمي رأسك الماكر بأقل الأشياء احتراما عندي؛ بزوج من النعل، الرمية الأولى نيابة عن كل عراقي حر والثانية نيابة عن كل مسلم مظلوم ....رميتان متواليتان ستبقيان في ذاكرة كل انسان حدثا مفعما بالمعاني ووداعا مناسبا لضيف خرب العالم.
لم أستطع وأنا المنهك من متابعة مؤتمرات صحفية تبدأ وتنتهي بالكذب والمجاملات، لم أستطع إلا أن أقف أمام التلفاز في لحظة من الانتصار والتشفي المبرر دامت عدة ثوان ...وكأن زوج النعل كان زوج صواريخ !!!!
عدت إلى الجلوس وتألمت لأن "الهدف" كان ينحني كلما اقتربت من رأسه الرمية ....رئيس ماكر حتى في آخر أيامه !!
لكن الإبداع في طرح السؤال (رمية بزوج من النعال )..وطبيعة الهدف (رئيس خرب العالم)
....وروعة الزمان (زيارة الوداع )....وحزن المكان (العراق المحتل )....كل ذلك جعلني أبارك للصحفي الشريف "منتظر الزيدي " على روعة وجلالة السؤال !! فقد كان من أكثر الأسئلة موضوعية في تاريخنا المعاصر ...
شكرا مرة أخرى فقد حققت بزوج من النعال ماعجز ت أزواج وأزواج من قادتنا عن تحقيقه !!!
شكرا "منتظر " فقد دخلت تاريخنا ذات "أحد " وقد عبرت عن شعور الملايين من أمة تبحث عن أي نصر بأي طريقه حتى ولو كان " زوج نعال "
تنبيه : ما يحتضنه الحدث من الروعه هو نفسه مايفيض به من الألم.

الأحد، 22 يناير 2006

في خيّام الفقراء

بدت السماء وكأنها قريبة من الأرض وأخذ لونها يزداد احمرارا؛ كأن قطعة من تلك الأرض الداكنة علقت بها.
بدا وكأن "الخيمة" التى نصبتها للتو"خديجة"على موعد مع شيئ ما ...لحظات وصمت رهيب يلف المكان وتبدأ الأتربة في التطاير باتجاهات مختلفة، وتقبل الرّياح الحمراء بقوة من كل اتجاه، يختفي ضوء الشمس ولون السماء، ويختلط عصف الرياح بصياح الحيوانات وصراخ الأطفال؛ إنها ألحان العاصفة فوق خيام الفقراء، يبدأ الظلام الكثيف يلف المكان وكأنه لم تبق هناك ذرة من ضوء إلا وهزمتها ذرتان من الظلام، ويستمر أزيز الرياح فتتطاير الأواني وقطع الثياب هنا وهناك وتنهمر الأمطار فتزيد من قوة العاصفة التي تقتلع "الخيمة" بحبالها فترميها عدة أمتار، فينكشف الغطاء عن خديجة وأطفالها ليبقوا في تواصل مباشر مع السماء المضطربة تلك الليلة.
 تتوالى الرعود بكثافة وكأن السماء تهتز معها، ويأخذ البرق من شرقها إلى غربها فيضيء المكان في ثوان على أم تحتضن بأجنحتها الحانية أبنائها، وكأن تلك الأجنحة تريد أن تمتدّ بالدعاء إلى ربّ السماء ليحفظ الأبناء .. وكلما ازداد وقع الأمطار والرياح. تنهال الخواطر على الأم .. فقد ذهب الزوج منذ الصباح الباكر بحثا عن بقرة ضلت من القطيع؛ وكأني به الآن يقدم رجليه المتعبتين كلما لاح له برق من السماء ثم يقف ساكنا إذا أظلم المكان... ولا شك أنه في لحظات الظلام تلك يفكر في أبنائه وزوجته، تلك الزوجة التي نام الأطفال بين ذراعيها وفى حضنها وهي جالسة صابرة ....حتى بدأ وقع العاصفة يخف وأخذت الأمطار في التباطؤ وهي في طريقها إلى التوقف...أخذت الأم المنهكة تتفقد جيرانها في تلك الليلة التي بدا فيها كل شيء مبللا حتى الهواء ،وهي تخترق بشمعتها المتواضعة حجب الظلام الكثيف لتضيء لها على خيام متناثرة وأشياء مبعثرة ونساء ورجال هنا وهناك كأنما هم قوم يتهيؤون للحياة من جديد،وأغراض متناثرة هنا وهناك لا يوازيها في الكثرة إلا عبارات الحمد والرضا المبثوثة على الألسن، كأن تلك العاصفة الشديدة لم تكن إلا مطرا مباركا ينتفع به العباد... وبينما خديجة تتفقد الجيران لا يسبقها إليهم إلا ضوء شمعتها إذ بها أمام بضعة أطفال ينامون متلاصقي الأذرع بجانب أمهم المريضة، تلك الأم الرحيمة التي أخذت من ثوبها وغطت به على اولئك الأطفال الأيتام فقد غادر أبوهم هذه الدنيا منذ سنين...وهاهي أمهم المريضة طريحة الفراش بجنبهم تصارع المرض...ذلك المرض الذي لم يمنعها من أن تلقى من غطائها على الأطفال النائمين... لم تستطيع خديجة أن تصبر أمام المشهد فأخذت الأطفال الأيتام إلى خيمتها وأخرجت لهم ما جف من الأغطية وفرشتها لهم مع أطفالها فبدا منظر الجميع رائعا ...أولئك الأطفال المبتسمون يشعرون العالم أن عواصف الدنيا لا تمنع الفقراء البسطاء أن يبتسموا ويناموا مطمئنين.
أخذت خديجة تهيئ بعض الطعام وتناوله الأطفال جميعا لا تفرق بينهم ...لم يكن لها من شعور في تلك اللحظات إلا أنها ولدت أولئك الأطفال جميعا ...وما إن فرغت من ذلك حتى لاح لها طيف زوجها مقبلا بخطى متثاقلة وبثياب مبللة وهو يلقي بتحية من حروف متقطعة : السلام عليكم كأنما هي آخر حروف ينطقها في تلك الليلة لشدة التعب ، فردت الزوجة بتحية مشحونة بالحيوية ثم قالت له: الحمد لله وأخذت تكررها فكانت تلك الكلمة الراضية كأنها تحط التعب والهموم من على كاهل الزوج المرهق وتحول المكان المظلم المبلل إلى نور وهناء ... ثم يواصل الزوج المنهك حديثه المتقطع :مابال هؤلاء الأطفال ؟هل جاؤوا مع العاصفة يا خديجة؟! لا يازوجي العزيز بل هم من مخلفاتها ...هؤلاء أطفال جارتنا"زينب" لم أقدر وأنا أتفقد الجيران أن أتركهم للجوع والبرد بجانب أمهم المريضة التي لاتملك لهم في هذه الليلة طعاما ولا غطاء يحميهم البرد ...اللهم إلا لمسات حنان صاحبتها عاجزة عن الجلوس...لقد وزعت الطعام رغم قلته وبدا كثيرا وزعته بين أطفالها وأطفالنا...عفوا بل بين أطفالنا لقد حل حرف النون محل حرف الهاء ...ساعة رأيتهم ...وهاهم كما ترى ينامون جميعا على فراش واحد تحت غطاء واحد ورغم البرد والجوع فقد لاح الرضا على وجوههم البريئة، وكأن تلك الوجوه الناعمة تقول:لامعنى في هذه الحياة لأن يشبع أطفال ويجوع آخرون ، لا معنى لأن لا نشترك في المعاناة ونعيشها معا بأعز ما نملك... بأطفالنا ...هنا يرسل الزوج آخر عباراته في تلك الليلة الليلاء وهو جالس على فراش رث يتوضأ قبل أن يخلد إلى النوم : ما أعظمك يا خديجة، لوكانت نساء الدنيا مثلك لرحل الفقر والجوع عن هذه الأرض، يانساء العالم أنصتوا وكونوا قلوبا لا تعرف إلا الرحمة والحنان.